السيد محمد حسين فضل الله
413
من وحي القرآن
والشعور بالمسؤولية الإنسانية الروحية ، على أساس الإيمان النابض بالمحبة والحياة ، حتى تحوّلت كل تلك المجموعات المتنافرة في ذاتها ، المختلفة في طبيعتها ، إلى وحدة روحية إيمانية ، تماما كما عبر اللَّه عنهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] وكما قال عنهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى » « 1 » . . . وتلك هي الألفة التي يرعاها اللَّه برعايته ، ويشملها بلطفه ، فإنها تنمو من خلال الينابيع الروحية التي تتفجّر في الفكر والشعور حتى تتحول - في القلب وفي الروح - إلى نهر كبير يمتد في حياة المؤمنين جميعا في نطاق المجتمع المؤمن المتكامل الواحد . . . * * * اللَّه هو المؤلّف بين القلوب لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لأن المال لا يستطيع أن ينفذ إلى أعماق الروح وآفاق الشعور ، إلا إذا تحول إلى حالة حميمة ، تحمل في داخلها بعضا من نبضات الشعور وخفقات العاطفة ، ليتحوّل المال إلى معنى يتمثل في العطاء ، في البعد الإنساني الذي يحترم في الإنسان إنسانيته ، ويوحي إليه بالمعاني الحلوة المشرقة ، وعند ذلك يفقد العنصر المادي ليتحول إلى عنصر روحيّ . أما المال الذي يتحرك في العلاقات كثمن لها ، تماما كما هي السلع المعروضة في السوق ، فإنه قد يعطي صاحبه موقعا متقدما في حركة الواقع ، وقد يحصل على بعض الامتداد في آفاق الربح ، ولكنه لن يستطيع أن يمنحه قلبا وروحا وحياة ووحدة شعور ، ولذلك
--> ( 1 ) البحار ، م : 20 ، ج : 58 ، ص : 91 - 92 ، باب : 43 . رواية : 29 .